حكمة اليوم الكافرون سيحاكمون

 سفر الحكمة الفصل الخامس

الكافرون سيحاكمون

حينئذ يقوم البار بجرأة عظيمة في وجوه الذين ضايقوه واحتقروا أتعابه فإذا رأوه يضطربون من شدة الجزع ويذهلون من خلاص لم يكونوا يتوقعونه ويقول بعضهم لبعض نادمين ونائحين من ضيق صدورهم هوذا الذي كنا حينا نجعله ضحكة وموضوع تهكم نحن الأغبياء لقد حسبنا حياته جنونا وآخرته عارا فكيف أصبح في عداد بني الله وصار نصيبه مع القديسين لقد ضللنا عن طريق الحق ولم يضئ لنا نور البر ولم تشرق الشمس علينا شبعنا في سبل الإثم والهلاك واجتزنا براري لا طرق فيها وأما طريق الرب فلم نعرفه فماذا نفعتنا الكبرياء ؟ وماذا أفادنا الغنى الذي كنا نفتخر به ؟ قد مضى ذلك كله كالظل وكالخبر الذي يمر بسرعة أو كالسفينة الجاردة على الماء المتموج التي لا تجد أثر مرورها ولا خط بدنها في الأمواج أو كطائر يطير في الجو فلا تجد دليلا على مسيره يضرب الريح الخفيفة بقوادمه ويشقها بصفير شديد ويعبر مرفرفا جناحيه ثم لا تجد لمروره من علامة أو كسهم يرمى إلى الهدف فيخرق به الهواء ولوقته يعود إلى حاله فلا يعرف ممر السهم كذلك نحن ما إن ولدنا حتى توارينا ولم يكن لنا أن نبدي علامة فضيلة بل فنينا في رذيلتنا إن رجاء الكافر كعصافة تذهب بها الريح وكزبد رقيق تطارده الزوبعة إنه يتبدد كدخان في الهواء ويمضي كذكر ضيف يوم واحد

مصير الأَبرار المجيد ومعاقبة الكافرين

أما الأبرار فسيحيون للأبد وعند الرب ثوابهم ولهم عناية من لدن العلي فلذلك سينالون إكليل البهاء وتاج الجمال من يد الرب لأنه بيمينه يحميهم وبذراعه يسترهم يتخذ نيته سلاحا ويسلح الخليقة للاحتماء من أعدائه يلبس البر درعا وحكم الصدق خوذة ويتخذ القداسة التي لا تقهر ترسا يشحذ غضبه الذي لا ينثني سيفا والعالم يحارب معه الأغبياء فتنطلق البروق كسهام محكمة التسديد ومن الغيوم كمن قوس محكم التوتير تطير إلى الهدف وحبات برد مليئة بالسخط تقذف من قذافة ومياه البحر تثور عليهم والأنهار تغمرهم من دون شفقة وريح قدرة تهب عليهم وتذريهم كالزوبعة والإثم يجعل من الأرض كلها قفرا وارتكاب الشرور يقلب عروش المقتدرين

سفر الحكمة الفصل السادس

سليمان والتماس الحكمة

على المُلوكِ أن يطلبوا الحكمة

فاسمعوا أيها الملوك وافهموا وتعلموا يا قضاة أقاصي الأرض أصغوا أيها المتسلطون على الجماهير والمفتخرون بجموع أممكم لأن سلطانكم من الرب وقدرتكم من العلي وهو الذي سيفحص أعمالكم ويستقصي نياتكم فإنكم أنتم الخادمين لملكه لم تحكموا بالصواب ولم تحفظوا الشريعة ولم تسيروا بحسب مشيئة الله فسيطلع عليكم مطلعا مخيفا وسريعا لأن حكما لا يشفق يجرى على الوجهاء فإن الصغير أهل الرحمة أما أرباب القوة فبقوة يفحصون وسيد الجميع لا يتراجع أمام أحد ولا يهاب العظمة لأن الصغير والكبير هو صنعهما وهو يعتني بالجميع على السواء لكن المقتدرين ينتظرهم تحقيق شديد فإليكم أيها الملوك أوجه كلامي لكي تتعلموا الحكمة ولا تزلوا فإن الذين يحفظون بقداسة ما هو مقدس يشهد لهم بالقداسة والذين يتعلمونه يجدون فيه دفاعا فارغبوا في كلامي واصبوا إليه تتأدبوا

الحِكمة تأتي لِمُلاقاةِ الإنسان

الحكمة ساطعة لا تذبل تسهل مشاهدتها على الذين يحبونها ويهتدي إليها الذين يلتمسونها تسبق فتعرف نفسها إلى الذين يرغبون فيها ومن بكر في طلبها لا يتعب لأنه يجدها جالسة عند بابه فالتأمل فيها كمال الفطنة ومن سهر لأجلها لا يلبث أن يخلو من الهموم لأن الذين أهل لها هي التي تجول في طلبهم وفي سبلهم تظهر لهم بعطف وفي كل خاطر يخطر لهم تأتي لملاقاتهما فأولها الرغبة الصادقة في التأديب والاهتمام بالتأديب هو المحبة والمحبة هي حفظ شرائعها ومراعاة الشرائع هي ضمان عدم الفساد وعدم الفساد هو التقرب إلى الله فالرغبة في الحكمة تقود إلى الملكوت فإن طابت لكم العروش والصوالجة يا ملوك الشعوب فأكرموا الحكمة لكي تملكوا للأبد

سليمان يصف الحكمة

وأنا أخبركم ما الحكمة كيف نشأت ولا أكتم عنكم الأسرار لكني أتقصاها من أول نشأتها وأجعل معرفتها بينة ولا أحيد عن الحق ولا أسير مع الحسد المذيب لأنه لا حظ له في الحكمة إن كثرة الحكماء خلاص العالم والملك الفطن ثبات الشعب فتأدبوا بأقوالي تستفيدوا منها

سفر الحكمة الفصل السابع

لم يكن سليمان الا إنسان

إني أنا أيضا إنسان قابل للموت مساو لجميع الناس متحدر من أول من جبل من الأرض وقد صورت جسدا في بطن أم وفي مدة عشرة أشهر تكونت في الدم من زرع رجل ومن اللذة التي تصاحب النوم ولما ولدت تنفست أنا أيضا الهواء المشترك وسقط رأسي إلى الأرض كما هي طبيعة الإنسان وكان البكاء صراخي الأول كما هو لجميع الناس وربيت في القمط والهموم فإنه ليس لملك بدء وجود غير هذا بل واحذ دخول الجميع إلى الحياة وسواء خروجهم منها

قديرُ سُلَيمانَ للحكمة

لذلك صليت فأوتيت الفطنة ودعوت فأتاني روح الحكمة ففضلتها على الصوالجة والعروش وعددت الغنى كلا شيء بالقياس إليها ولم أعادل بها الحجر الذي لا يقدر لأن كل الذهب بإزائها قليل من الرمل والفضة عندها تحسب طينا وأحببتها فوق العافية والجمال وآثرت أن أتخذها قبل النور لأن رونقها لا يقر له قرار فأتتني معها جميع الخيرات وعن يديها غنى لا يحصى فسررت بهذه الخيرات كلها لأنها بإمرة الحكمة ولم أكن عالما بأنها أم لها جميعا وأما تعلمته بإخلاص أشرك فيه بسخاء ولا أكتم غناها فإنها كنز للناس لا ينفد والذين اقتنوه كسبوا صداقة الله وقد ا وصته بهم المواهب الصادرة عن التأديب

دَعوَة إِلى الإِلهامَ الإِلهي

ليهب لي الله أن أتكلم بحسب رغبته وأن أجري في خاطري مما يليق بما نلته من المواهب فإنه هو دليل الحكمة ومرشد الحكماء وفي يده نحن وأقوالنا كل فطنة كل علم أن علوم الصناعة فهو الذي وهب لي علما يقينا بالكائنات حتى أعرف نظام العالم وفاعلية العناصر ومبدأ الأزمنة ومنتهاها وما بينهما وتعاقب الاعتدالات وتغير الفصول ودوائر السنة ومراكز النجوم وطباخ الحيوانات وغرائز الوحوش ونغمات الأرواح وخواطر البشر وأنواع النبات وخواص الجذور فعرفت كل ما خفي كل ما ظهر لأن مهندسة كل شيء علمتني وهي الحكمة

مديح الحكمة

فإن فيها روحا فطنا قدوسا وحيدا متشعبا لطيفا محركا ثاقبا طاهرا واضحا سليما محبا للخير حادا حرا محسنا محبا للبشر ثابتا آمنا مطمئنا يقدر على كل شيء ويراقب كل شيء ينفذ إلى جميع الأرواح الفهمة منها والطاهرة والأشد لطافة لأن الحكمة أكثر حركة من كل حركة فهي لطهارتها تخترق وتنفذ كل شيء فإنها نفحة من قدرة الله وانبعاث خالص من مجد القدير فلذلك لا يتسرب إليها شيء نجس لأنها انعكاس للنور الأزلي ومرآة صافية لعمل الله وصورة لصلاحه تقدر على كل شيء وهي وحدها وتجدد كل شيء وهي ثابتة في ذاتها وعلى مر الأجيال تجتاز إلى نفوس قديسة فتنشئ أصدقاء لله وأنبياء لأن الله لا يحب إلا من يساكن الحكمة فإنها أبهى من الشمس وأسمى من كل مجموعة نجوم وإذا قيست بالنور ظهر تفوقها لأن النور يعقبه الليل أما الحكمة فلا يغلبها الشر

سفر الحكمة الفصل الثامن

الحكمة زوجة مثالية لسليمان

إنها تمتد بقوة من أقصى العالم إلى أقصاه وتدبر كل شيء للفائدة وهي التي أحببتها والتمستها منذ حداثتي وسعيت أن أتخذها لي عروسا وصرت لجمالها عاشقا نظهر أصلها الكريم باشتراكها في حياة الله وقد أحبها سيد الجميع فهي مطلعة على علم الله والمتخيرة لأعماله إذا كان الغنى ملكا مرغوبا فيه فأي شيء أغنى من الحكمة التي تعقل كل شيء ؟ وإن كانت الفطنة هي التي تعمل فمن أمهر منها في هندسة الكائنات ؟ وإذا كان أحد يحب البر فأتعابها هي الفضائل لأنها تعلم القناعة والفطنة والبر والشجاعة التي لا شيء للناس في الحياة أنفع منها وإذا كان أحد يرغب في خبرة واسعة فهي تعرف الماضي وتتكهن بالمستقبل وتحسن صوغ الحكم وحل الألغاز وتعلم بالآيات والخوارق قبل حدوثها وبتعاقب الأوقات والأزمنة

لا يَستَغني المُلوكُ عنِ الحكمة

لذلك عزمت أن أتخذها قرينة لحياتي علما بأنها تكون لي مشيرة للخير ومشددة في الهموم والغم فيكون لي بها مجد عند الجموع وكرامة لدى الشيوخ مع صغر سني ويجدونني ثاقب الفكر في إجراء الحكم ويعجبون بي أمام المقتدرين وإذا صمت ينتظرونني وإذا تكلمت يصغون وإذا أفضت في الكلام يضعون أيديهم على أفواههم وأنال بها الخلود وأخلف عند الذين بعدي ذكرا مؤبدا أحكم الشعوب وتخضع لي الأمم يسمع بي ملوك مرهوبون فيخافون وأظهر في الجمع صالحا وفي الحرب شجاعا وإذا دخلت بيتي استرحت إلى جانبها لأنه ليس في معاشرتها مرارة ولا في الحياة معها غم بل سرور وفرح

سُلَيمان يَلتَمِسُ الحِكمَة

وبعد أن فكرت في نفسي بهذه واعتبرت في قلبي أن في قربى الحكمة خلودا وفي صداقتها لذة سامية وفي أتعاب يديها غنى لا يفنى وفي المواظبة على معاشرتها فطنة وفي التحدث إليها سمعة أخذت أطوف طالبا كيف أتخذها لنفسي كنت صبيا حسن الطباع ورزقت نفسا صالحة بل كنت بالأحرى صالحا فأتيت في جسد غير مدنس ولما علمت بأني لا أكون صاحب حكمة ما لم يهبها لي الله وقد كان من الفطنة أن أعلم ممن هذه النعمة توجهت إلى الرب وسألته وقلت من كل قلبي

تعليقات